أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري
114
التوحيد
الأرض لا تزال تهوى سفلا بمن عليها . فسألهم عن ذلك النّظام ، فاحتجوا بثقلها ، والثقيل لا يقاوم الهواء ولا يقوم في الجو . فعارضهم بسرعة انحدار الحجر بثقله إذا أرسل مع الريشة ، ثم كانت الأرض منهما أثقل ، وقد أدركاها . ثم عارضهم بما رأوا الريح تحمل الشيء فتصعد به في العلو دون الجوانب ، فما يدريكم لو كانت تحت الأرض فتحملها بقوتها ، فكيف حكمتم بأن يهوى دون أن يصعد ويرتفع ، وقد رأيتم مثله ، وقطع الكلام على هذا . وإذا كان ذا حاصل المناظرة فما أشبهها بالملاعبة ، بل الأصل إذ كنا نعاين السماء منذ عاينها على حالة واحدة ، وعاينا الأرض على ثقلها ، وعلى ما كان كل جزء من أجزائها لو أرسل من أعلى موضع يبلغه الوهم لكان يلحقها ، دلّ أن الأرض إذ قرّت على حال وكذلك السماء ، وهما في طبيعتهما بطبع الثقل وأن لا قرار لهما في الهواء ، ثبت أن قرارهما بقوى حكيم ، وأنه منشئهما على ما لا يدركه الأوهام ولا يبلغه العقول ، وفي ذلك بطلان الدهر وفروعه . مع ما كانت مناظرة هؤلاء عبثا ، أو طريقها البحث عن الأمور الخفية لتنجلي ، وعن الوقوف على حدود الحكمة ، وهم جعلوا العالم على ما عليه من الاختلاف والاتفاق ، واختلاف الجواهر والأعراض قائمات بالطباع مولّدات عن حركات أشياء أو مشوبات بما لا تدبير لها ولا علم ولا على حكمة تقدر ، ويكون البشر أحد هؤلاء ، فمحال أن يكون عندهم علم أو حكمة إلا أن يثبت لغير الذي منه العالم فيهم تدبير ، وفي خروج أعلى جواهر العالم عن طبع ما به العالم دليل كون ذلك أيضا به على ما شاء إنشاء خلقه ، ولا قوة إلّا باللّه . مسألة [ بيان فساد أقاويل السوفسطائية ] قال الشيخ رحمه اللّه : قالت السوفسطائية : لما وجدنا الإنسان يعلم شيئا ثم يبطل ، ويجد لذة ثم يزول ، ويهلك هوام البر في البحر ، والبحر في البر ، ويبصر الخفاش بالليل ويغشى بالنهار ثبت أن لا يصح علم ، وإنما هو اعتقاد لا غير وإن اختلف عن اعتقاد غيره . فسأل ابن شبيب فقال : قولكم لا علم ، بعلم قلتم فقد أثبتم ، أو لا بعلم ، لم يكن لكم الدعاء إليه ، مع ما علمتم أنكم قلتم بغير علم ، فإن قالوا بالعلم أثبتوا العلم ، وإن قالوا بالثاني ألزموا السّكت ، وذا مجرى الباب . قال الشيخ رحمه اللّه : ومناظرة من يقول بهذا الكلام لا معنى لها لأنه يحصل على أنه اعتقاد لا علم ، فكل شيء يقول عند المناظرة فهو ذلك ، وإنما يناظر مثل من